أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
89
شرح مقامات الحريري
واصبر على ما ناب من فاقة * صبر أولى العزم وأغمض عليه ولا ترق ماء المحيّا ولو * خوّلك المسؤول ما في يديه فالحرّ من إن قذيت عينه * أخفي قذى جفنيه عن ناظريه ومن إذا أخلق ديباجه * لم ير أن يخلق ديباجتيه * * * فلق : شقّ من بين شفتيه ، نحت : نجر ، أراد إنشاء قصائده . والقوافي ، من قفوت الشيء ، إذا تتبعته ، وسميت بذلك الاتباع بعضها بعضا . القلّ : القلّة . المتراقي : المرتفع ، لبدتيه . شعر متلبد على كفله وبين كتفيه ، ناب : نزل . فاقة : فقر . أغمض ، أي استره واغفل عنه ، والمحيّا : الوجه ، خولك : ملكك . الناظر : سواد العين ، فيريد أنه إذا وقع في عينيه قذى وهو السقط على شدّة إذايته ، احتمله الحرّ الكريم وصبر عليه ، وأخفاه من ناظريه : تجلد ، أي أخفي أذى بعض العينين عن بعض ، وهذا غاية في المبالغة ، ديباجه : ثوبه ، والديباج : ثوب رفيع ، ديباجتيه : خدّيه ، وقيل ديباجة الخدّ حسن بشرته ، وأخلق الشيء ، وأخلقه غيره لازم ومتعدّ : يقول : إذا افتقرت وبلي ثوبك فلا تبذل وجهك لأحد ، ولا تهنه بالسؤال ، وهذا من قول حبيب : [ البسيط ] ذلّ السؤال شجا في حلق معترض * من دونه شرق من خلفه حرض « 1 » ما ماء كفك إن جادت وإن بخلت * من ماء وجهي إذا أفنيته عوض وقال في ابن الزيات : [ البسيط ] اعطى ونطفة وجهي في قراراتها * يصونها الوجنات الغضّة القشب « 2 » ويقول : لم يخلق وجهي سؤال ، فوجهي غضّ جديد ، والنطفة : ماء الوجه الذي نهى الحريري عن إراقته حين قال : [ السريع ] ولا ترق ماء المحيّا ولو * خوّلك المسؤول ما في يديه [ أبو تمام وعبد الصمد بن المعذل ] قال الصوليّ : كان حبيب رحمه اللّه تعالى لا يجيب هاجيا ، ترفّعا عنه ، فانحدر إلى البصرة والأهواز يمدح من بهما ، فكتب إليه عبد الصمد بن المعذل : [ الخفيف ] أنت بين اثنتين تبرز للنّاس * س بكلتيهما بوجه مذال لست تنفك طالبا لوصال * من حبيب أو طالبا لنوال
--> ( 1 ) البيتان في ديوان أبي تمام ص 149 . ( 2 ) البيت في ديوان أبي تمام ص 48 .